حيدر حب الله
319
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
أمّا في غير هذه الحالات الثلاث ، فالأصل يقتضي عدم ثبوت الحقّ للفقيه ولا للدولة في تغيير أو سنّ تشريعٍ معارض أو موازٍ للشريعة الإلهيّة ، فالفقيه بما هو فقيه مكتشفٌ لأحكام الله تعالى ( الدائمة أو المؤقتة ) من النصوص الدينية التأسيسيّة ، ووليّ الأمر - بما هو وليٌّ للأمر - منفّذٌ لأحكام الله تعالى وليس في عرضها ، وصلاحياته الثابتة له في الشريعة هي صلاحيّات إجرائيّة تخوّله التصرّف في أموال الدولة والممتلكات العامّة وإلزام الأفراد بإجراء القوانين الشرعيّة وفقاً لما يراه الأفضل زمنيّاً في طريقة الإجراء ، وليست صلاحيات تشريعيّة ، إلا في النطاق وبالمعنى الذي أشرنا له في النقطة الثالثة آنفاً . وبناء عليه ، ففي المثال الذي ذكرتموه في سؤالكم ، لا يمكن تغيير قوانين الإرث القرآنيّة إلا إذا : أ - قدّم الفقيه نظريّةً علميّة نجح من خلالها في شلّ قدرة هذه النصوص القرآنيّة على الشمول الإطلاقي الزماني والظرفي ، بافتراض أنّها تشريعات مقيّدة بظروف زمنيّة خاصّة تغيّرت وتلاشت اليوم ، وهذا يحتاج إلى مقاربة علميّة ، وليس إلى مجرّد كلام إعلامي خطابي فضفاض . وقد قلتُ في كتاب ( حجية السنّة في الفكر الإسلامي ) بأنّ النصّ القرآني غير آبٍ عن أن تكون فيه بعض الأحكام المرحليّة الزمنية من حيث المبدأ ، كما لم يكن آبياً - عند مشهور الفقهاء المسلمين - عن الأحكام المنسوخة التي هي شكلٌ من أشكال الزمنيّة والظرفيّة عندهم . ب - أن يكون تطبيق هذه الأحكام اليوم محكوماً لعناوين ثانويّة قاطعة كالأهم والمهم ، كما لو لزم من هذا التطبيق في هذا الظرف الخاصّ مفسدة عظيمة جداً أكبر من مصالح التطبيق . والله العالم .